بحث عن بحث

حوافز المسارعة إلى الخيرات (1-3)

      أولاً: العلم واليقين:

بما أعد الله سبحانه وتعالى للمسارعين إلى الخيرات وما ادخر لهم من ثواب وأجر، وما يرفع لهم من الدرجات في روضات الجنات، قال ابن سعدي : أثناء شرحه لسورة البقرة الآية: (148): «ولما كان أقوى ما يحث النفوس على المسارعة إلى الخير وينشطها، ما رتب الله عليها من الثواب، قال: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيجمعكم ليوم القيامة بقدرته فيجازي كل عامل بعمله:{لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}(1) ».

وقال في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ }(2): «فلما ذكر تعالى نعيم الجنة ووصفه بهذه الأوصاف الجميلة، مدحه وشوّق العاملين وحثّهم على العمل له فقال: { إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } الذي حصل لهم به كل خير، وكل ما تهوى النفوس وتشتهي، واندفع عنهم كل محذور ومكروه، فهل فوز يطلب فوقه؟ أم هو غاية الغايات ونهاية النهايات، حيث حل عليهم رضا رب الأرض والسماوات، وفرحوا بقربه وتنعموا بمعرفته وسروا برؤيته وطربوا لكلامه؟{ لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ}فهو أحق ما أنفقت فيه نفائس الأنفاس وأولى ما شمر إليه العارفون الأكياس.

والحسرة كل الحسرة أن يمضي على الحازم وقت من أوقاته وهو غير مشتغل بالعمل الذي يقرب لهذه الدار، فكيف إذا كان يسير بخطاياه إلى دار البوار»؟

      ثانيًا: معرفة حقيقة الحياة الدنيا:

فإن من عرف حقيقتها لم يجر وراءها لاهثًا، بل يبذل كل الطاقات والجهود فيما يقربه إلى المعبود، ويسعى في الأعمال الصالحة سعيًا حثيثًا عسى أن تنفعه في الآخرة، وقد ضرب الله مثل الحياة الدنيا وما فيها من زينة وزخرفة بقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ }(3) .

قال ابن سعدي :: «يخبر تعالى عن حقيقة الدنيا وما هي عليه، ويبين غايتها وغاية أهلها بأنها لعب ولهو، تلعب بها الأبدان وتلهو بها القلوب، وهذا مصداقه ما هو موجود وواقع من أبناء الدنيا، فإنك تجدهم قد قطعوا أوقات عمرهم بلهو قلوبهم، وغفلتهم عن ذكر الله، وعما أمامهم من الوعد والوعيد، تراهم قد اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، بخلاف أهل اليقظة وعمال الآخرة؛ فإن قلوبهم معمورة بذكر الله، ومعرفته ومحبته، وقد شغلوا أوقاتهم بالأعمال التي تقربهم إلى الله من النفع القاصر والمتعدي{ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ }أي: كل يريد أن يكون هو الكاثر لغيره في المال والولد، وهذا مصداقه وقوعه من محبي الدنيا والمطمئنين إليها، بخلاف من عرف الدنيا وحقيقتها فجعلها معبرًا ولم يجعلها مستقرًا، فنافس فيما يقربه إلى الله، واتخذ الوسائل التي توصله إلى دار كرامته، وإذا رأى من يكاثره وينافسه في الأموال والأولاد نافسه بالأعمال الصالحة«.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [النجم: 31]

(2) [الصافات: 60، 61]

(3) [الحديد: 20]