بحث عن بحث

عوائق دون المسارعة إلى الخيرات (1-3)

لا شك أن الإنسان في مسيرته في هذه الحياة وهو متجه إلى الله والدار الآخرة تمر به عقبات وعوائق تعيق مسيرته، وهذه العوائق إما أن تكون قدرية كالمرض والسفر فهذه يتعامل معها التعامل الشرعي فتكون خيرًا له دنيا وأخرى، وإما أن تكون عوائق من نفسه ومن الشيطان فعليه أن يعالجها قبل أن تكبر وتستفحل فتكون العاقبة وخيمة، وقد ذكر النبي ﷺ بعض هذه العوائق فعن أبي هريرة اأن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا«(1).

قال النووي في شرح الحديث السابق: «معنى الحديث: الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر، ووصف صلى الله عليه وسلم نوعًا من شدائد تلك الفتن وهو أنه يمسي مؤمنًا ثم يصبح كافرًا أو عكسه، شك الراوي، وهذا لعظم الفتن ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب، والله أعلم«.

وفي حديث آخر عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنًى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر«(2).

قال المباركفوري في شرح هذا الحديث: «قوله: «بادروا بِالأعمال سبعًا» أي: سابِقوا وقوع الفتن بِالاشتغال بِالأعمال الصالحة واهتموا بِها قبل حلولها «هل تنظرون إِلا إِلى فقرٍ منسٍ» قال القاري: خرج مخرج التوبِيخِ على تقصيرِ المكلفين في أمرِ دينهم, أي: متى تعبدون ربكم؟ فإنكم إن لم تعبدوه مع قلة الشواغل وقوة البدن فكيف تعبدون مع كثرة الشواغل وضعف القوى؟ لعل أحدكم ما ينتظر إِلا غنًى مطغيًا. انتهى.… والقصْد الحث على البِدار بِالعمل الصالح قبل حلول شيءٍ من ذلك, وأخذ منه ندب تعجيل الحج«.

ونذكر بعض هذه العوائق دون المسارعة إلى الخيرات بشيء من التفصيل:

      طول الأمل:

فمن الناس من يأمل البقاء إلى زمان الهرم، ومنهم من لا ينقطع أمله بحال، فيؤخر العمل ويؤخر التوبة إلى الله والرجوع إليه، روي عن أبي عثمان النهدي أنه قال: بلغت ثلاثين ومائة سنة، وما من شيء إلا قد عرفت فيه النقصان إلا أملي فإنه كما هو(3).

عن عبد الله بن عكيم قال:  خطبنا أبو بكر الصديق ا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، قال: أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}، ثم اعلموا -عباد الله- أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لا يطفأ نوره ولا تنقضي عجائبه، فاستضيئوا بنوره وانتصحوا كتابه واستضيئوا منه ليوم الظلمة، فإنه إنما خلقكم لعبادته ووكل بكم {كِرَامًا كَاتِبِينَ . يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}(4)، ثم اعلموا -عباد الله- أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل الله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فيردكم إلى سوء أعمالكم؛ فإن قومًا جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم، فالوحا الوحا ثم النجا النجا(5).

والإنسان كثيرًا ما يعول على شبابه، ويستبعد قرب الموت مع الشباب، أو لا يتفكر المسكين في أن كبار السن في بلده لو عدوا كانوا أقل من العشر! وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر، وإلى أن يموت شيخ قد يموت ألف صبي وشاب، وقد يغتر بصحته، ولا يدري أن الموت يأتي فجأة، وإن استبعد ذلك فإن المرض يأتي فجأة، وإذا مرض لم يكن الموت بعيدًا، ولو تفكر وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص؛ من صيف وشتاء وربيع وخريف وليل ونهار، ولا هو مقيد بسن مخصوص؛ من شاب وشيخ أو كهل أو غيره؛ لعظم ذلك عنده واستعد للموت(6).

وعليه؛ فمن المفيد ألا ينساق المسلم مع الآمال وينسى المستقبل العظيم، فيستغل وقته وجهده وماله في طاعة المولى، ويسارع في ذلك قبل فوات الأوان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه مسلم في الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال (118).

(2) رواه الترمذي في الزهد، باب ما جاء في المبادرة بالعمل (2306) .

(3) مختصر منهاج القاصدين ص(415).

(4) [الانفطار: 11 – 12]

(5) المستدرك على الصحيحين (2/415).

(6) مختصر منهاج القاصدين ص (414) .