بحث عن بحث

المنافسة والفرص (4-4)

وعن ابن عباس قال: لما توفي رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: يا فلان هلم فلنسأل أصحاب النبي ﷺ فإنهم اليوم كثير، فقال: وا عجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي ﷺ من ترى؟ فترك ذلك وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه فتسفي الريح على وجهي التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله! ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي، فقال: كان هذا الفتى أعقل مني(1).

وقال ابن الجوزي في المدهش: «الأيام صحائف الأعمال، فخلّدوها بأحسن الأعمال، الفرص تمرّ مرّ السحاب، والتواني من أخلاق الخوالف، من استوطأ مركب العجز عثر به... تزوّج التواني الكسل فولد بينهما الخسران«(2).

ومن عجيب انتهاز الفرص: ما حكى الخطيب البغدادي عن أبي العباس المبرد قال: ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة: الجاحظ عمرو بن بحر إمام أهل الأدب، والفتح بن خاقان الأديب الشاعر ووزير الخليفة المتوكل العباسي، الذي اجتمعت له خزانة كتب حافلة من أعظم الخزائن، وإسماعيل بن إسحاق القاضي الإمام الفقيه المالكي البغدادي.

فأما الجاحظ: فإنه كان إذا وقع بيده كتاب قرأه من أوله إلى آخره، أي كتاب كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر في الكتب.

وأما الفتح بن خاقان: فإنه كان يحمل الكتاب في كُمه أو في خفه، فإذا قام من بين يدي المتوكل للبول أو للصلاة، أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي حتى يبلغ الموضع الذي يريده.. ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه إلى أن يأخذ مجلسه!! فإذا أراد المتوكل القيام لحاجة، أخرج الكتاب من كمه أو خفه وقرأه في مجلس المتوكل إلىحين عودته!!

وأما إسماعيل بن إسحاق القاضي، فإني ما دخلت عليه قط إلا رأيته وفي يده كتاب ينظر فيه، أو يقلب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه(3).

وكان الشافعي : يجعل ليلته ثلاثة أجزاء: الثلث الأول يكتب فيه، والثلث الثاني يصلي، والثلث الثالث ينام(4)، رحم الله الشافعي.

وكان ياقوت الحموي تاجرًا، يشتغل في البلاد، ويتنقل في الأقطار، ويطوف بالمدن والأمصار، غير أنه لم يرض لنفسه أن يهدر وقته، ويضيع الفرص التي أتيحت له أثناء تجواله وتطوافه، فقد أخذ يدوّن كل ما شاهده من الأماكن ويصف أخلاق ساكنيها وأحوالهم، حتى جمع كتابه المشهور: معجم البلدان، فكان أعظم كتاب في علم تخطيط البلدان وأخلاق الشعوب وجغرافية المدن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن الدارمي، المقدمة، باب الرحلة في طلب العلم واحتمال العناء فيه (570).

(2) المدهش لابن الجوزي ص (382) .

(3) تقييد العلم للخطيب البغدادي ص (139) .

(4) صفة الصفوة لابن الجوزي (2/255) .