بحث عن بحث

المنافسة والفرص (3-4)

بل من الصحابة من كان يتأسف على فوات الفرصة لعمل الخير كما يتأسف بعضنا على فوات الفرصة الدنيوية، وكان يتحرى الفرص حتى يفوز بالجنة وينجو من النار، وفيهم نزل قول الله تعالى:{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}(1)[الأحزاب: 23].

فعن أنس رضي الله عنه قال: قال عمي أنس بن النضر - سميت به- لم يشهد بدرًا مع رسول الله ﷺ،  فكبر عليه فقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، أما والله لئن أراني الله مشهدًا مع رسول الله ﷺ فيما بعد ليرين الله ما أصنع، قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد من العام القابل، فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو أين؟ قال: واهًا لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه، ونزلت هذه الآية:{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}

وكان يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي«.

وورد في الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته فيسألها عن بعلها فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشًا، ولم يفتش لنا كنفًا منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ، فقال: القني به، فلقيته بعد، فقال: «كيف تصوم؟ قال: كل يوم، قال: وكيف تختم؟ قال: كل ليلة، قال: صم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام في الجمعة، قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: أفطر يومين وصم يومًا، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صم أفضل الصوم صوم داود؛ صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة». فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ، وذاك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يعرضه من النهار ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا وأحصى، وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئًا فارق النبي ﷺ عليه(2).

هكذا كان حرص الصحابة رضوان الله عليهم في اغتنام الفرص، وخاصة اغتنام مرحلة الشباب، ولكن ينبغي عدم الغلو في أي عمل، وذلك بأن يكون معتدلًا في كل شيء، وأن لا يكون على حساب حقوق الأهل والأولاد والأقارب والأحباب، فإن لكلِّ أحدٍ حقه ينبغي أداؤه كما في الحديث السابق ذكره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح .

(2) رواه البخاري في فضائل القرآن باب في كم يقرأ القرآن (5052) .