بحث عن بحث

المنافسة والفرص (2-4)

وانظر أبا بكر رضي الله عنه كيف يبادر إلى فعل الخيرات ولا يضيع الفرص التي قد تأتينا يوميًّا ولا نبالي، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟» قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضا؟» قال أبو بكر ا: أنا، فقال رسول الله ﷺ: «ما اجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة« (1).

وعندما تمنى أبو بكر رضي الله عنه أن يدعى من أبواب الجنة كلها لم يكن هذا التمني عن فراغ بدون عمل، ولكن كان رضي الله عنه من أهل المبادرة إلى الخيرات وممن يغتنم الفرص فلا يضيعها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله! هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة». فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي وأمي يا رسول الله! ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم«(2).

فالصديق رضي الله عنه إنما تمنى أن يكون ممن يدعى من جميع أبواب الجنة لأنه كان من أهل الصلاة والجهاد والصدقة والصيام

وهذا علي رضي الله عنه في يوم خيبر قد سعد بإعطاء الرسول ﷺ الراية إياه، ولكن عندما قال الرسول ﷺ: «لأعطين هذه الراية رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» فبات الناس يدوكون [يتحدثون] ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها فقال: «أين علي بن أبي طالب؟«(3).

وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أخذ سيفًا يوم أحد فقال: «من يأخذ مني هذا؟» فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول: أنا أنا، قال: «فمن يأخذه بحقه؟» قال: فأحجم القوم، فقال سماك بن خرشة أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، قال: فأخذه ففلق به هام المشركين(4). وإنما نال أبو دجانة هذه المرتبة بمبادرته إلى أخذ السيف بحقه وعدم تفويت الفرصة التي لا تعوض.

وكذلك الزبير بن العوام رضي الله عنه إنما نال مرتبة حواري الرسول ﷺ عندما بادر إلى تنفيذ ما طلبه الرسول ﷺ واغتنم الفرصة التي قد لا تعود، فعن ابن المنكدر قال: سمعت جابرًا يقول: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: «من يأتينا بخبر القوم؟» فقال الزبير: أنا، ثم قال: «من يأتينا بخبر القوم؟» فقال الزبير: أنا، ثم قال: «من يأتينا بخبر القوم؟» فقال الزبير: أنا، ثم قال: «إن لكل نبي حواريًا وإن حواري الزبير»(5).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه مسلم في الزكاة، باب فضل من ضم إلى الصدقة غيرها من أنواع البر (1028) .

(2) رواه البخاري في كتاب الصوم، باب الريان للصائمين  (1897)، ومسلم في الزكاة، باب فضل من جمع الصدقة وأعمال البر (1027).

(3) رواه مسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ا (2406) .

(4) رواه مسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي دجانة سماك بن خرشة ا (2470).

(5) رواه البخاري في المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب (4113).