بحث عن بحث

الوقفة الثامنة: أثر العمل الصالح على نفسية الفرد

سبق في الوقفة السادسة بعض الآثار الإيجابية العظيمة للأعمال الصالحة، ومما ذكر هناك أن للأعمال الصالحة آثارًا على نفسية العامل، وهنا نبسط القول في ذلك لأهميته، فمما لا شك فيه أن هناك ترابطًا وثيقًا بين سلوك الإنسان ونفسيته، فذلك الفرد الذي يعمل أعمالًا مشينة، ويسلك مسالك شاذة؛ تجد أثرها السريع على تقلب نفسيته، واضطرابها، ومن ثم القلق والاكتئاب، فينعكس هذا على تعامله مع الآخرين وعلاقته معهم، فتكون علاقة غير متزنة، وبدون ضابط يضبطها.. ومن ثمّ يصل إلى العزلة شيئًا فشيئًا، فتتغلب عليه الوساوس والهموم، والشك في الناس ثم في أهل بيته، فيحيا حياة مضطربة ويموت كذلك.

وبالمقابل فإن العمل الصالح يورث الهدوء والسكينة والطمأنينة والاستقرار النفسي، حتى ولو أصابه من أقدار الله تعالى في هذه الدنيا ما يحزنه، فبعمله الصالح يتخفف الحزن بل قد يتحول إلى مكاسب أخرى لم تكن لتحصل له لولا هذا العمل الصالح.

خذ مثلًا: قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(1)  فذكر الله عمل صالح، كيف يورث هذه الطمأنينة التي يسعى إليها العالم كله، ويسخر لها جهوده وإمكانياته؛ بل قد يضحي بالأموال الطائلة والجهود الجبارة، وأشد من ذلك أن يخوض حروبًا طاحنة بحثًا عن هذه الطمأنينة.. فلا يمكن أن يجدها إلا بالعمل الصالح.

ومثال آخر عملي في حياة رسول الله ﷺ: فقد كان عندما تشتد عليه الأمور وتتوالى الخطوب يفزع إلى الصلاة، ويقول لبلال: «أرحنا بها يا بلال»، ومعلوم أن الراحة تطلب بعد التعب، والصلاة عمل، فدل على أن هذا العمل وإن كان بعد عمل آخر أنه سبب للراحة بعده، ولو لم يكن عملًا صالحًا لما كان كذلك، ويؤكد هذا قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}(2) .

وفي الواقع المحسوس المشاهد تجد هذا واضحًا، فلك أن تقلب طرفك في المرضى مثلًا أو في عامة المبتلين؛ فستجد فروقًا شاسعة في تقبل المرض، وفي التعامل معه، وفي نفسية المريض، مع أن المرض واحد، والسبب نظرة كل مريض في التعامل مع مرضه، فمن نظر النظر الشرعي واستعان بالله وصبر وأكثر من الأعمال الصالحة، وكان كذلك قبل مرضه؛ مُنح الهدوء والاستقرار، فكان هذا الهدوء سببًا –بإذن الله تعالى– لشفائه وعافيته وعظم أجره وعلو درجته، وإن لم يكن كذلك انزعج وتأفف واضطرب فكان هذا الاضطراب سببًا لزيادة المرض وطول فترته مع الخسارة الأخروية.

هذا هو أثر العمل الصالح على نفسية الفرد، فلنكثر من الأعمال الصالحة ليعظم الأثر ويزداد الأجر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الرعد: 28]

(2) [البقرة: 45]