بحث عن بحث

 المبحث الثاني: التحليل اللفظي للحديث

ما علة تقديم الخطبة عن الصلاة؟

سبق معنا ما ذكره الحافظ، عن ابن المنذر، عن الحسن البصري قوله: «أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم -يعني العادة- فرأى ناسًا لم يدركوا الصلاة ففعل ذلك». قال الحافظ: «وهذه العلة غير التي اعتل بها مروان؛ لأن عثمان رأى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة، وأما مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم الخطبة«.

وأشار الحافظ -أيضًا- إلى علة أخرى في تقديم مروان للخطبة، حيث كان الناس يتعمدون الانصراف عن الخطبة؛ لِما فيها من سب من لا يستحق السب، والإفراط في مدح بعض الناس، فيكون على هذا قد راعى مصلحة نفسه، كما تشير إلى ذلك رواية البخاري ومسلم(1).

فنستخلص من مجموع ذلك ثلاث علل:

أ‌-      مصلحة إسماعهم الخطبة.

ب‌-    مصلحة نفسه.

ت‌-    إدراك الصلاة.

قوله: «فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة»، الرجل: قال الحافظ: يحتمل أن يكون هو أبا سعيد، عقبة بن عمرو الأنصاري الذي وقع في رواية عبد الرزاق أنه كان معهما.

وقال صاحب عون المعبود، شمس الحق العظيم آبادي: في المهمات أنه عمارة بن رويبة، فهذا الرجل أنكر على مروان تقديم الخطبة ثم الصلاة، وإنكاره صحيح، كما يدل عليه لفظ أبي سعيد الخدري: «أما هذا فقد قضى ما عليه«(2).

وهل أنكر أبو سعيد: وإن لم يكن هو فلماذا لم ينكر؟

والجواب سيأتي بعد قليل.

»الصلاة قبل الخطبة»: مبتدأ وخبر، أي: الصلاة حقها أن تكون قبل الخطبة.

قوله: «فقال: قد تُرِك ما هنالك»: تُرِك: البناء للمجهول، و(ما) موصولة في محل رفع نائب فاعل، واسم الإشارة ظرف متعلق بمحذوف صلة (ما)، والتقدير: ترك الذي تشير إليه، أي تركنا العمل بتقديم الصلاة على الخطبة الذي كان هنالك في الزمن الماضي.

وهذه الجملة تشير إلى أن هناك من تقدم مروان الخطبة. يقول ابن عبد البر :: «قول مروان «قد تُرِك ما هنالك» يدل على أنه قد تقدمه من تركه».

-      المُشار إليه هو الرجل الذي نبَّه مروان إلى تقديم الصلاة قبل الخطبة.

-      وأمَّا: حرف شرط وتفصيل.

-      والمعنى: مهما يكن من الشيء فهذا الرجل قد أدَّى واجبه وما عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قال بعض أهل العلم: (وقد ترك) تكرار إمَّا استغناء بالكلام الذي ذُكر بعده وهو موضوع القسم الثاني، والتقدير: وأما أنا فأنكر كما أنكر.

قوله: «أما هذا فقد قضى ما عليه»: هذه الرواية تفيد أن أبا سعيد رضي الله عنه لم ينكر علانية، ولكنه أقر إنكار الرجل، وهنا يقال: كيف تأخر أبو سعيد رضي الله عنه عن إنكار هذا المنكر حتى سبقه إليه هذا الرجل؟ يقول النووي :: «وجوابه أنه يحتمل أن أبا سعيد لم يكن حاضرًا أول ما شرع مروان في أسباب تقديمه الخطبة، فأنكر الرجل، ثم دخل أبو سعيد وهما في الكلام.

ويحتمل أن أبا سعيد كان حاضرًا من الأول، ولكنه خاف على نفسه أو غيره حصول فتنة بسبب إنكاره، فسقط عنه الإنكار، ولم يَخَفْ ذلك الرجل شيئًا لاعتضاده بظهور عشيرته أو غير ذلك، أو أنه خاف وخاطر بنفسه، وذلك جائز في مثل هذا، بل مستحب.

ويحتمل أن أبا سعيد هَمَّ بالإنكار فبدره الرجل، فعضده أبو سعيد. والله أعلم.

ثم إنه جاء في الحديث الآخر الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في باب صلاة العيد: أن أبا سعيد هو الذي جذب يد مروان حيث رآه يصعد المنبر، وكانا جاءا معًا، فردَّ عليه مروان بمثل ما رد هنا على الرجل، فيحتمل أنهما قضيتان إحداهما لأبي سعيد، والأخرى للرجل بحضرة أبي سعيد... والله أعلم«(3).

o      فنلحظ من خلال هذا العرض: أن ما رواه البخاري ومسلم لا يتفق مع بعض الاحتمالات التي ذكرها النووي : إذ كيف يسكت صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنكر، فالأقرب -والله أعلم- أنهما قضيتان، فاكتفى أبو سعيد بالإنكار باليد ثم باللسان، ثم أنكر الرجل مرة أخرى، أو أنها قضية واحدة، وحينئذ تضافر الإنكار. وهذا هو الذي يتفق مع حال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق (2/ 452).

(2) عون المعبود (3/346).

(3) شرح النووي على مسلم (2/ 22).