بحث عن بحث

الـمسألة الثانية والعشرون:

من صفات الآمر بالمعروف

سبق أن أشرنا إلى بعض ما يجب أن يتحلى به الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من صفات، ومنها: العلم، والقدوة، والاستطاعة، والنهي عن التجسس.

ولعل المقام مناسب للإشارة إلى بعض الصفات المهمة الأخرى، ومنها:

الإخلاص: وذلك بأن يكون ابتغاء الآمر والناهي من أمره ونهيه وجه الله تعالى فالأمر بالمعروف من أجلِّ العبادات، وأفضل القربات، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ([2])، وصح عن رسول الله غ قوله: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»([4]).

الرفق واللين: يجب أن يتمتع الآمر والناهي بالرفق، واللين، والحلم، والأسلوب الهيِّن، واللطف، والمحادثة بالحسنى؛ فهذا هو الذي يؤتي نتائج طيبة وثمارًا يانعة، وقبولًا حسنًا، وقد تضافرت الأدلة على ذلك. قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾  ([2])، مع علمهسبحانه المسبق أنه لن ينفعه هذا الأمر والنهي، لكن ليبين الطريق التي ينبغي أن ينتهجها الداعون والآمرون والناهون، ومن يسلكون هذا الطريق الشريف العظيم، وهكذا كان رسول الله غ في دعوته القولية والعملية. يقول÷: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه»([4])، وفي قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فقام إليه الصحابة ليزجروه وينهروه، فقال غ: «لا تزرموه»، وفي رواية: «دعوه»، وفي رواية: «لا تنهروه»، حتى قضى بوله، ثم دعاه الرسول غ وأخبره أن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذارة، إنما هي للصلاة والذكر وقراءة القرآن([6]).

ويقول الإمام أحمد :: «الناس محتاجون إلى مدارات ورفق، والأمر بالمعروف بلا غلظة، إلا رجل معلن بالفسق، فلا حرمة له». وقال :: «يأمر بالرفق والخضوع، فإن أسمعوه ما يكره لا يغضب، فيكون يريد أن ينتصر لنفسه». ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية :: «ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، وليكن نهيك عن المنكر غير منكر».

هذا هو الأصل، وهذا هو النهج: الأمر والنهي بالرفق واللين.

لكن قد يحتاج الآمر والناهي إلى شيء من الغلطة في القول أحيانًا، فيقال: نعم. إذا توفر أمران: إذا لم ينفع الرفق واللين، وغلبت المصلحة الشرعية في ذلك، وهذا هو الذي تُحمل عليه النصوص الواردة في ذلك، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(

الصبر والمثابرة: فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طريق عظيم، ومسلك رشيد، وسبيل قويم؛ لا يقوى عليه إلا الأفذاذ من الموفقين للخير، السالكين سبل الهداية والرشد، المبتغين أعالي الأمور، هممهم عالية، ونفوسهم قوية، وقلوبهم متعلقة بالله -سبحانه وتعالى- ولهذا فهو يحتاج إلى صبر وتحمل، وجهد ومصابرة، قال تعالىفي وصية لقمان لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ([12])، ويقولجل وعلا: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ(

([1]) سورة البقرة، آية:(45).

([2]) سورة طه، آية:(44).

([4]) جزء من حديث رواه البخاري في كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله برقم (6024)، ومسلم في كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام برقم (2165).

([6]) جزء من حديث رواه البخاري في كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم برقم (6010).

([7]) سورة التوبة، الآية:(73).

([2]) سورة الزمر: آية:(2).

([4]) سورة النحل، آية:(125).

([6]) جزء من حديث رواه مسلم في كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق برقم (2594).

([8]) جزء من حديث رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات برقم (285).

([10]) سورة التوبة، الآية:(73).

([12]) سورة النحل، الآية:(127).

([13]) سورة البقرة، آية:(45).