بحث عن بحث

السنة المستقلة بالتشريع وآراء العلماء فيها(19)

 

 

مناقشة المسلك الرابع :

نوقش هذا المسلك من وجهين :

أولهما : أن اجتهاد المجتهد الذي ينظر إلى السنة يكون بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، إذ ليس أحد بمستطيع في حياته أن يقول : إن الرسول صلى الله عليه وسلم ألحق الحكم الثالث الذي لا نص فيه بأحد الحكمين اللذين قد ورد فيهما نص القرآن الكريم ، لأن ذلك فرع وجودهما بالفعل وتحققهما في الوجود حتى يلحقهما الرسول بأحدهما .

وهذا ما لا يمكن أن يجزم به أحد ، فإن القرآن الكريم نزل منجما ، ولم ينزل جملة واحدة ، حتى يقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم نظر في القرآن الكريم جملة ، واجتهد ، واستخرج من أحكامه سنته .

وإنما الذي يصح أن يقال في هذا ومثله : أن ذلك ظهر للنــاظر في السنة وتبين للباحث فيها ، وعرف أنها رجعت بتشريعها إلى أصل الكتاب الكريم بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى .

فإذا نظر الناظرون في السنة بعده ، عرفوا أن الأحكام التي ثبتت بالسنة ، كانت ترد خاضعة للقرآن الكريم ، فاستطاعوا أن يقولوا : إن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، لم تخرج عن هدى القرآن الكريم وبيانه ، لا أن الرسول عليه الصلاة والسلام انتظر حتى نزل كل من الحكمين مثلا في القرآن الكريم ثم جعل ينظر بأيهما يلحق هذا الذي لا حكم له بأقربهما إليه شبها ، وكذلك يقال في القياس(1).

وثانيهما : أن الشاطبي نفسه اعترف بصعوبة ذلك على المجتهد ، فقال : " وربما بعد على الناظر ـ أي إدراك الواسطة بين الطرفين المنصوص عليهما في الكتاب ــ أو كان محل تعبد لا يجرى على مسلك المناسبة ، فيأتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه البيان "(2).

يقول الدكتور عبد الغني عبد الخالق مناقشا الشاطبي في ذلك :" إنك اعترفت أن الواسطة بين الطرفين - المنصوص عليهما في الكتاب - قد يعجز المجتهد عن إدراك حكمها من الكتاب ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسنه ويشرعه لنا ، غير أنك تسمى تشريعه حينئذ بيانا ، ونحن نسميه استقلالا فقط ، حيث إن الكتاب لم ينص عليه نصا يمكن المجتهد أن يفهم الحكم منه على وجه التفصيل ، ولا على وجه الإجمال .

ومثل ذلك يقال في مجال القياس : فقد يعجز المجتهد عن إدراك الحكم في الفرع على نحو ما قررته في مجال الاجتهاد .

ولا يهمنا أن يكون هذا الحكم ـ في الواسطة أو الفرع ـ قد سنه صلى الله عليه وسلم بواسطة وحي أو اجتهاد فقد وفقه الله إليه بما أوتي من الحكمة والعلم المفقودين في غيره .

وإنما المهم : أنه شرع ما لم ينص عليه في الكتاب ، وكان تشريعه حجة ، لأنه إما بوحي ، وإما باجتهاد معصوم فيه أو مقر على حكمه(3).


(1) السنة النبوية ومكانتها في التشريع صــ 135 ، 136 .

(2) الموافقات ( 4/ 353 )

(3) حجية السنة صـ 532، 533