بحث عن بحث

 

 

 السنة المستقلة بالتشريع وآراء العلماء فيها(13)

 

 

خامسا : أن المسلمين قد أجمعوا على أحكام فرعية ، لا مستند لها إلا هذا النوع ــ السنة المستقلة ــ وإجماعهم على الأخذ منه ، والاستناد إليه ــ يستلزم إجماعهم على حجيته .

فمن هذه الأحكام : كون الجدة ــ أم الأم ، أو أم الأب ــ ترث ، وكونها تأخذ السدس ، فهذا قد انعقد الإجماع عليه(1)،ومستنده :السنة المستقلة،وليس بموجود في الكتاب.

فهذا أبو بكر ( سيد الخلفاء الراشدين ، وإمام المجتهدين ، وأعرفهم بدلالات القرآن ومعانيه وكلياته ) يقرر على الملأ من الصحابة المجتهدين ( الخبيرين بالقرآن الذي نزل بلسانهم وبين أظهرهم ) ــ لما سألته أم الأم عن حكمها في الميراث ـت أنه لا يجد لها في كتاب الله شيئا ، ولا يعلم لها في سنة رسول الله شيئا ، ثم أخذ يسأل الناس عن حديث فيها ، فأخبره اثنان : فعمل به .

وكل ذلك قد أقره عليه الصحابة ــ من حضر منهم الحادثة ، ومن سمع بها ــ فكان إجماعا منهم على عدم وجود حكمها في القرآن ، وعلى حجية هذا النوع الذي لم يوجد حكمه في القرآن .

وهذا عمر : يفعل ما فعل أبو بكر لما سألته أم الأب(2)، وقد روي عن عمر حوادث كثيرة من هذا النوع .

أفبعد هذا يكابر المكابرون في حجية هذا النوع ، أو في أنه موجود ؟!

ألا يرشد قول أبي بكر هذا ، وإجماع الصحابة ــ وهم أخبر الناس بلغة القرآن ، ومعاني الأحكام ، وقواعد الدين كله ــ إلى محاولة هؤلاء جعل هذا النوع من السنة المبينة ، جديرة بالإهمال وعدم استحقاق النظر فيها "(3)

ومن هذه الأحكام : مشروعية الشفعة(4)، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها(5)، وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب(6)، وأنه لا يقتل مسلم بكافر(7)، وحد الرجم(8)، وحد الردة(9)، والنهي عن زواج المتعة(10)، وغير ذلك كثير وكثير حتى قال ابن القيم :" أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها ، لم تنقص عنها ، فلو ساغ لنا رد كل سنة زائدة كانت على نص القرآن لبطلت سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها إلا سنة دل عليها القرآن ، وهذا الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيقع ، ولابد من وقوع خبره "(11) .

ويشهد لذلك ما يمكن استقراؤه من كتب الفقه على أي مذهب من المذاهب كان ، فإنه يوجد في كثير من رؤوس الأبواب هذه العبارة : الأصل في مشروعيته السنة ، أو ما يؤدي هذا المعنى .


(1)  انظر : نيل الأوطار ( 6 / 51 ) والمغني ( 7 / 52 ) ولا عبرة بما روي عن ابن عباس : أنها بمنزلة الأم ، فهي رواية شاذة كما قال ابن قدامة .

(2) الحديث في ميراث الجدة : أخرجه أبو داود في سننه ، كتاب الفرائض ، باب في الجدة ( 2894 ) ، والترمذي ، كتاب الفرائض ، باب ما جاء في ميراث الجدة ( 2101 ) وقال : وهذا أحسن وأصح من حديث ابن عيينة .

(3) حجية السنة ص 515 ، 516 .

(4) الحديث في ذلك : أخرجه البخاري ، كتاب الشفعة ، باب الشفعة فيما لم يقسم ( 2257 ) .

(5) أخرجه البخاري ، كتاب النكاح ، باب لا تنكح المرأة على عمتها ( 5109 ) ومسلم ن كتاب النكاح ، باب تحريم الجمع بين المراة وعمتها أو خالتها في النكاح ( 1408 ) وانظر : نيل الأوطار ( 6 / 146 ) ، وسبل السلام ( 3 / 998 ).

(6) أخرجه البخاري ، كتاب الشهادات ، باب الشهادة على الأنساب ( 2645) ومسلم ، كتاب الرضاع ، باب تحريم ابنة الأخ في الرضاعة ( 1147 ) وانظر : نيل الأوطار ( 6 / 317 ) وسبل السلام ( 3 / 1151 ).

(7) جزء من حديث أخرجه البخاري ، كتاب الجهاد ، باب فكاك الأسير وغيره ( 3047 ) وانظر : نيل الأوطار ( 7 / 8 ) وسبل السلام ( 3 / 188 )

(8) أخرجه مسلم ، كتاب الحدود ، باب حد الزنا ( 1690 ) وانظر : نيل الأوطار ( 7 / 86 ) وسبل السلام ( 4 / 1267 )

(9) أخرجه البخاري ، كتاب الجهاد ، باب لا يعذب بعذاب الله ( 3017 ) وانظر : نيل الأوطار ( 7 / 190 ) .

(10) أخرجه البخاري ، كتاب المغازي ، باب غزوة خيبر ( 4216 ) ومسلم ، كتاب النكاح ، باب نكاح المتعة ... ( 1407 ) وانظر : نيل الأوطار ( 6 / 133 ) .

(11) إعلام الموقعين ( 2 / 290 ) .