بحث عن بحث

قواعد العلل  وقرائن الترجيح

(مقدمة وتعريف)

 

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِالله من شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ محَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أَمَّا بَعْدُ.

فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْي هَدْيُ محَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وَشرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ.

وَبَعْدُ.

فَإنَّهُ لمَّا كان عِلْمُ الحَدِيثِ من أَجَلِّ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ وَأَفْضَلِهَا. وَكان عِلْمُ عِلَلِ الأَحَادِيثِ من أَصْعَبِ فُرُوعِ هذا العِلْمِ التي تَفَرَّعَتْ مِنْهُ.

كان مِنَ الَّلازِمِ على أَهْلِ العِلْمِ الاهتِمَامُ بهَذَا الأَمْرِ، خِدْمَةً لدِينِ الله وَسُنَّةِ نَبِّيهِ -صلى الله عليه وسلم-.

وفي هذا الكتاب(1) جمعت قواعد هذا العلم العملية، وقرائنه الترجيحية، من كلام أهله السابقين، مما شرد وندر في كتب العلل والتواريخ والسؤالات والمسائل والمصطلح وغيرها.

وسلكت فيه مسلك التوسع في جمع أصوله العملية لا النظرية غالباً، مع الاختصار في التقرير والتمثيل.

وجعلت لكل موضوع مبحثاً مستقلاً، تيسيراً للفهم، وترتيباً للذهن.

معتمداً على العلماء السابقين، مراعياً في ذلك اصطلاحات علمائه اللاحقين وفهمهم.

والمرجو من كل قارئ يجد فيه نقصاً أو خلالاً أن يسدِّده بدعوة صادقة، وأن يبعث إليَّ بما تجود به نفسه من فائدة على عنوان دار المحدِّث، لتداركه في زمن لاحق.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.



 

1- تَعْرِيفُ العِلَّةِ

العِلَّةُ في اللُّغَةِ:-

قال في القَامُوسِ: «والعِلَّةُ - بالكَسْرِ -: المَرَضُ. عَلَّ يَعِلُّ، واعتلَّ، وأعلَّه الله تعالى فهو مُعَلٌّ، وعَلِيل، ولا تقل: مَعْلُول...»(2).

وقال النَّوويُّ عن "مَعْلُول": «هو لحن»، وتبعه السّيوطي(3).

بينما عبَّر ابن الصلاح بقوله: «والمَعْلُول مرذول عند أهل العربية واللُّغة»، وعلق العراقي على ذلك بقوله: «واعتُرِض عليه بأنه قد حكاه جماعة من أهل اللُّغة، منهم قُطْرُب(4)، بينما حكاه اللَّبْلي(5) والجوهري(6) في الصِّحاح والمُطَرِّزي(7) في المُغْرِب»، ثم قال العراقيُّ: «والجواب عن المصنِّف - أي ابن الصَّلاح - أنه لا شكَّ في أنَّه ضعيف وإنْ حكاه بعض من صنَّف في الأفعال كابن القُوطيَّة(8). وقد أنكره غير واحد من أهل اللُّغة كابن سيده(9) والحَريري(10) وغيرهما»(11).

وفيما قاله نظر، ولعلَّ قول الزَّركشي أَقرب حيث قال: «والصَّواب أنه يجوز أن يقال: علَّه، فهو مَعْلُول، من العِلَّة والاعتلال، إلا أنه قليل... ويشهد لهذه العِلَّة قولهم: عليل كما يقولون قتيل وجريح... وظهر بما ذكرناه أن قول المصنِّف: "مرذول"، أجود من قول النَّووي في اختصاره: "لحن"، لأن اللَّحن ساقط غير معتبر البتة، بخلاف المرذول. وأما قول المحدِّثين: "علَّله فلان بكذا"، فهو غير موجود في اللغة، وإنَّما هو مشهور عندَهم بمعنى ألهاه بالشيء وشغله، من تعليل الصَّبي بالطَّعام. لكنَّ استعمال المحدِّثين(12) له في هذا المعنى على سبيل الاستعارة»(13).

وأقدم من وجدته استعمل كلمة معلول بمعنى مريض - ممن يحتجُّ بكلامه في اللُّغة - مع العلم والإمامة في الدِّين - الإمامُ الشَّافعي، حيث قال في كتاب الرَّهن من كتابه "الأمِّ": «ومن يجوز ارتهانه ثلاث أصناف:- صحيح وآخر مَعْلُول وآخر فاسد...»، إلى أنْ قال: «فهذا الرَّهن الصَّحيح الذي لا علة فيه، وأما المَعْلُول …»(14).

فهذا النَّصُّ يردُّ على كلِّ من أنكره لغةً، فاللفظة قليلة الاستعمال، صحيحة لغة، لا مرذولة.

وأقدم من وجدته استعمل لفظة: "معلّ" هو العقيليُّ(15)، وهي صحيحة.

أما لفظة: «مَعْلُول» فقليلة عند السلف من المحدثين(16)، فيما يظهر.

العِلَّة في الاصطلاح:-

عرَّف العراقي(17) العِلَّة في منظومته الألفية بقوله:-

وهي عبارة عن أسباب طرت                  فيها غموض وخفاء أثَّرت(18)

فيؤخذ مما قال أن العِلَّةَ: سببٌ خفيٌ وغامضٌ مؤثِّرٌ في الحديث الذي ظاهره السَّلامة. فللعلة ركنان هما:-

     1.        الخفاء والغموض.

     2.        القدح في الحديث، سنداً أو متناً.

ويلزم عليه أنه إن تخلَّف أحدهما فلا يسمى الحديث مُعَلاً اصطلاحاً.

وهذا التَّعريف الذي استقرَّ مؤخراً – وهو ما سار عليه غالب العلماء.

فهو يخصِّص العلَّة ويحصرها بوصفين، أما السابقون من المحدِّثين فإن العِلَّة عندهم أعمُّ مما اشتهر بعد، فهي: «كلُّ ما أثَّر - ولو لم يقدح - في الحديث سنداً أو متناً، لفظاً أو معنىً، ظهر أم خفي».

حيث نجد في كتب الحديث والعلل الكثيرَ من تعليلِ أحاديثٍ بغيرِ ما تقدَّم في التعريف الأول(19)، فيعللون بعلل غير خفية بل في غاية الوضوح كالرَّاوي المتروك(20)، ويعللون بغيْر قادحٍ كتغيير الصَّحابي.

ويشهد لذلك تسميةُ التِّرمذيِّ المنسوخَ معلولاً لعدم العمل به(21)، لا لعدم صحته، لاشتمال الصَّحيح على أحاديث منسوخة(22).

ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه قوله: «حديث ابن مسعود في التطبيق منسوخ»(23).

ونصَّ ابن الصلاح على ما سبق، فقال: «إنَّ بعضهم – أي المحدِّثين – أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح»(24).

ولعلَّ تخصيص المتأخِّرين هذا النوع باسم العلل لأن أكثر أحاديث كتب العلل من هذا النَّوع، كما هو ظاهر وصرَّح به السخاوي(25)، أو لأنه أدقُّها وأغمضُها، وقد اعتَرَض بعضُهم بشدة على هذا التخصيص، ولكلٍ وجهٍ ما يؤيده، ولعل ما ذهب إليه المتأخرون نوع من الحصر والتقييد، لا تغيير في المنهج بالمعنى العام، وإلا فما سلف من صنيعهم أولى، وصنيع الخلف أسهل للتعلم والفهم، والخلاف في النهاية غير مؤثر إذا سلم النهج العام.

وعلى ما سبق، فالحديث المعلُّ اصطلاحاً متأخراً هو: "الحديث الذي ظاهره السَّلامة، اطُّلع على قادح في صحته سنداً أو متناً".

فلا يكون الحديث معلولاً - اصطلاحاً - إلا إذا توفر فيه شرطان هما:-

     1.        السَّلامة في الظاهر بتحقق شروط صحة الحديث – سنداً(26) - أولاً.

     2.        الوقوف على قادح في أحد هذه الشروط - غالباً - ثانياً.

قال الحاكم: «وإنَّما يعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإنَّ حديث المجروح ساقط واهٍ(27)، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثِّقات، أنْ يحدِّثوا بحديثٍ له علة فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولاً...»(28).

ويظهر أن الحاكم أول من خصَّص هذا المصطلح، وتبعه من بعده دون أن يستدرك عليه، بل إنَّ ابن حجر قال بعد كلام لابن الصلاح: «وفي هذا ردٌّ على من زعم أن المعلول يشمل كلَّ مردود»(29)، وقال أيضاً: «المعلول ما علته قادحة خفية»(30)، وعلى هذا التعريف الأخير سار الرُّكبان من أهل الحديث.

تنبيه: لا يلزم من الإشارة إلى وجود علة في حديث أن يكون معلاً مطلقاً.

قال العلائي: «وإنَّما يقوى القول بالتَّعليل عند عدم المعارض، وحيث يجزم المعلِّلُ بتقديم التَّعليل، أو أنَّه أظهر، فأمَّا إذا اقتصر على الإشارة إلى العِلَّة فقط، بأن يقول - مثلاً - في الموصول: رواه فلان مرسلاً، أو نحو ذلك، ولا يبيِّن أي الرِّوايتين أرجح، فهذا موجود في كلامهم، ولا يلزم منه رجحان الإرسال على الموصول»(31)، وبنحوه لابن حجر(32) أيضاً.


 

(1)     أصل هذا الكتاب جزء من رسالة "دكتوراه" في الحديث وعلومه، مقدمة إلى كلية أصول الدين، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وقد إجيزت بمرتبة الشرف الأولى، بفضل الله ( الكاتب /د.عادل الزرقي )  .
(2)     القاموس: مادة «علل».
(3)     تدريب الراوي (1/294).
(4)     هو أبو علي محمد بن المستنير البصري، أحد العلماء بالنحو واللغة، توفي سنة 206هـ – تاريخ بغداد (3/298).
(5)     هو أبو العباس أحمد بن يوسف الفهري، ولد بلَبْلَة غرب الأندلس عام 623هـ، وتوفي سنة 691هـ، له تحفة المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح – مقدمة فهرس اللبلي (ص5) وما بعدها.
(6)     هو أبو نصر إسماعيل بن حمَّاد الجوهري الفارابي، من بلاد الترك، إمام في علم اللغة، وخطه يضرب به المثل في الحسن، توفي سنة 398 هـ - إنباه الرُّوَاة للقفطي (1/229).
(7)     هو ناصر بن عبد السَّيِّد الخوارزمي الحنفي، شيخ المعتزلة، له شرح المقامات، توفي سنة 610هـ – السير (22/28).
(8)     هو أبو بكر محمد بن عمر الأندلسي النحوي، كَانَ رأساً في اللغة والنحو، ذا عبادة ونسك، توفي سنة 376هـ - السير (16/219).
(9)     هو أبو الحسن علي بن إسماعيل المرسي الضرير، عالم باللغة، توفي سنة 458هـ – السير (18/144).
(10)      هو أبو محمد القاسم بن علي البصري، صاحب المقامات، توفي سنة 516هـ - السير (19/460).
(11)     التقييد (ص116).
(12)     لم أجد عمَّن سلف من المحدثين من استعملها، فالمراد من تأخر منهم، فلا ينسب إليهم هذا الاستعمال بإطلاق.
(13)      النكت للزركشي (2/205-206).
(14)     الأم (3/184)، وقد قال عبد الملك بن هشام النحوي وأبو عبيد القاسم: «الشافعي ممن تؤخذ عنه اللغة» - مناقب الشافعي لابن أَبي حاتم (ص136). ولم أجد شاهداً - بعد البحث - من الشعر القديم المحتج به على المراد هنا.
(15)     الضعفاء (3/287).
(16)     من أقدم من ذكر هذه اللفظة:-
        1.          البخاري فيما نقله عنه الترمذي في علله الكبير (1/551-ترتيبه)، والخليلي في الإرشاد (3/961).
       2.          أَبُو داود في رسالته (ص34).
       3.         الترمذي في جامعه في موضعين (97و1119)، ولم أجده عن غيرهم من العلماء ممن هو في طبقتهم المتقدمة.
(17)     وهو مقتضى كلام الحاكم وابن الصلاح وغيرهما، كما سيأتي.
(18)     فتح المغيث (1/258).
(19)     علوم الحديث لابن الصلاح (122-التقييد) والنكت لابن حجر (2/771) وتوضيح الأفكار (2/27).
(20)     
قال ابن أَبي حاتم: «سألت أَبي عن حديث رَوَاهُ عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه أن علياً انكسرت إحدى زنديه فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يمسح على الجبائر فقال أَبي: هذا حديث باطل، لا أصل له، وعمرو بن خالد: متروك الحديث» - العلل= = (1/46). وسئل الدارقطني عن حديث آخر من حديث ابن عباس عن أَبي بكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه». فقال: يرويه الوليد بن سلمة الأردني، وهو متروك الحديث عن عمر بن قيس سندل، وهو ضعيف أيضاً ويضطرب في إسناده...» - العلل للدارقطني (1/213).
(21)     فتح المغيث (1/272).
(22)     النكت للزركشي (2/215).
(23)     العلل (1/91).
(24)     مقدمة ابن الصلاح (ص-التقييد).
(25)     فتح المغيث (1/271).
(26)     عبَّر العراقي عن ذلك بقوله: «ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر» - التقييد (ص116)، ولذا لا يشتغل بتعليل رواية الضعفاء كما قال أَبُو حاتم لابنه: «ليس عبد الله في هذا الوزن أن يشتغل بخطئه، عامة حديثه على هذا» - العلل (2/266).
(27)     يعرف ضعف المحدِّث - غالباً - بمخالفة بقية الثقات، كما قال الدارقطني عن راوٍ: «يحدِّث بأحاديث يسندها، ويوقفها غيْره» - سؤالات الحاكم للدارقطني (334).
(28)     معرفة علوم الحديث (ص112-113).
(29)     النكت لابن حجر (2/709).
(30)     النكت لابن حجر (2/771).
(31)     النكت لابن حجر (2/777).
(32)     المصدر السابق.